• قراءة تحليلية لمبادئ الصحة النفسية في القرآن (١٥)

    July 20, 2023
    Uncategorized

    الخاطرة ١٥

    ملخص لما سبق

    لعلي أتوقف هنا لأخلص الأفكار التي طرحتها حتى الآن في محاولتي لرسم خارطة لأسس العلاج النفسي التي وضعها القرآن. وإن كان ما أطرحه لا يتاخم التخوم العميقة للآيات لكنه يسلط الضوء على رؤوس أقلام تحتمل التمحيص والتوسيع.

    قلت إن نقطة البداية هي سورة الفاتحة التي يتم فيها إفصاح الطالب عن مطلوبه: والطالب هنا هو الإنسان الذي أدرك ضعفه وافتقاره إلى ربه والمجيب هو الرحمن الرحيم.

    فيلقى الطلب القبول ويعد الله عباده أن يمدهم بالهداية والحماية. وهذا التعاقد بين الطرفين قائم على ثلاثة محاور:

    محور عمودي؛ يمثل العلاقة مع الله التي تبدأ بقبول ربوبيته واجتياف هذا المعنى

    محور ذاتي: يعبر عن تجربة الفرد الإيمانية التي تغذيها أعمدة الدين من شهادة وصلاة وصيام وحج وزكاة وتقوى الله والإيمان بالآخرة

    محور أفقي يمثل تطبيق هذا الإدراك بربوبية الله وعبوديتها له من خلال تعاملنا مع البشر.

    وفي ذلك إشارة إلى ثنائية الخالق والمخلوق وضرورة إدراك مبدأ المغايرة والاختلاف وعدم إمكانية الاتحاد مع الذات الإلهية.

    وهذا الإدراك الذي يفتح الباب لتجربة علائقية يولد أيضا الشعور بالقلق. القلق بدوره يؤدي إلى تشكل دفاعات نفسية كالنرجسية والعظمة والتفكير المستقطب.

    فيكون السبيل إلى الوصول إلى ما تسميه كلاين بالوضعية الاكتئابية مرتبطا بالإنابة المستمرة من خلال التقوى والتوبة.

    وهذه الأفكار تذكرني بما جاء في سورة المعارج

    ١٩- إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا

    ٢٠- إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا

    ٢١- وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا

    ٢٢- إِلاَّ الْمُصَلِّينَ

    ٢٣- الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ

    ٢٤- وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ

    ٢٥- لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ

    ٢٦- وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ

    ٢٧- وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ

    ٢٨- إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ

    ٢٩- وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ

    ٣٠- إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ

    ٣١- فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ

    ٣٢- وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ

    ٣٣- وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ

    ٣٥- وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

    ٣٦- أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ

    حيث نجد في هذه الآيات تصريحا واضحا بما فيه شفاء لهذا القلق الوجودي الذي يعتري الإنسان. فيتحقق ذلك من خلال تقوى الله والإحسان لعباده. فإن فهمنا ذلك أدركنا لماذا الصلاة التي تذكرنا من خلال الفاتحة بعلاقتنا بالله هي علاج للقلق، بينما الإحسان لخلق الله علاج للاكتئاب.

    أي أننا جميعا نخوض تجربة سيدنا آدم في الخلق من خلال الولادة التي تمثل انفصالا من بعد شمول وقلقا من بعد نعيم لتبدأ رحلة تكون الشخصية وعودتها إلى خالقها من خلال المعرفة والوعي لا من خلال الإجبار والقهر.

    وتكمن أهمية العودة إلى الله في طبيعتنا البشرية التي جبلنا عليها أن نتوق إلى المعرفة التي تقودنا إلى سر الوجود والتي أساسها نقصنا وكماله. فنحن لا نختار آباءنا أو بيئتنا ولا يد لنا فيما يخضعوننا له من مؤثرات إيجابية أو سلبية، لكننا نصل إلى نقطة معينة من الفهم والإدراك لنخرج من عبودية البشر والمحيط إلى رحاب الله.

    فعندما ننظر إلى العالم الخارجي من خلال العالم الداخلي الناتج عن أفعال البشر، يقدم لنا المنظور الإلهي بعدا ثالثا يوسع علينا أفقنا ويصحح نظرتنا ليتغير الشعور الداخلي النفسي وتستقيم النظرة الخارجية وفهمنا للحياة.

    لذلك فالارتباط بالله عز وجل يعزز جهازنا المناعي النفسي فيزيل الشوائب التي تشوه سلوكياتنا ودفاعاتنا النفسية ويجعلنا أكثر رضا وطمأنينة.

    النسخة الانكليزية English version

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    الخاطرة التالية

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٦)

    الخاطرة السابقة

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٤)
    1 comment on قراءة تحليلية لمبادئ الصحة النفسية في القرآن (١٥)
  • قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٤)

    July 1, 2023
    Uncategorized

    الخاطرة ١٤

    ذكرت في الخاطرة السابقة محورين هما اتخاذ العقل موضوعا وثبات الموضوع. وشرحت المحور الأول.

    وسأحاول في هذه الخاطرة توضيح المحور الثاني وهو ثبات الموضوع وعلاقته بالإيمان بالله من خلال الطرح القرآني في هذه الآيات من سورة البقرة:

    ٤٩- وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ

    ٥٠- وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

    ٥١- وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ

    ٥٢- ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

    ٥٣- وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

    ٥٤- وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

    ٥٥- وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

    ٥٦- ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

    ٥٧- وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

    ٥٨- وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ

    ٥٩- فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ

    تفصّل هذه الآيات مطالبة بني إسرائيل نبيهم بالدليل تلو الآخر عن وجود الله ثم كفرهم بهذه الأدلة بعد الحصول عليها. وهذا التخبط الانفعالي وعدم القدرة على استذكار الله وتقواه في كل وقت جعلني أفكر في مبدأ ثبات الموضوع.

    بحسب نظرية العلاقات الموضوعية، التي تحاول توضيح التطور النفسي للطفل، فأن قدرة الطفل على تشكيل ارتباط مستقل نسبيا عن مشاعر الإشباع والإحباط, قائم على قدرة معرفية تستوعب أن الأم موجودة حتى وإن غابت عن الأنظار ، وأن لها صفات إيجابية حتى وإن لم تشبع احتياجاتنا تعرف بثبات الموضوع. ويصبح الطفل بذلك مطمئنا للأم ومرتبطا بها لا بقدرتها على تخفيف توتره. هكذا تتحقق استمرارية موضوع الأم في داخل الطفل ولا تقتصر على الظهور فقط عند الإحساس بالحاجة. وهذا الاستثمار في موضوع لبيدي يدل على نضوج معرفي يدرك فيه الطفل أن الناس ليسوا قابلين للتبديل ويثبت الموضوع في النفس.

    فلفت هذا التعريف انتباهي إلى أن القرآن زاخر بالآيات التي تدعون لنتذكر علاقتنا وارتباطنا بالله عز وجل. وكانت هذه الآيات تحيرني فكيف لي أن أتذكر الله هل كنت أعرفه قبل أن أعرف نفسي؟ فكانت الإجابة أن على أن أعرف نفسي لأعرفه. وفي قصة الحمل والولادة ومرحلة الطفولة ورعاية الأم عملية شبيه بقصة الخلق تؤهلنا للوصول إلى حقيقة أعمق وهي حاجتنا لمعرفة الموضوع الذي نحن له تيّع. أي بلغة الإسلام معرفة الخالق الذي نحن له عباد.

    فإن استبدلنا كلمة أم في التعريف أعلاه بكلمة رب، وكلمة طفل بكلمة إنسان, يتوضح لنا هدفا ساميا لتقوى الله والإيمان به، وهو القدرة على عبادة الله لأنه أهل لذك، وليس فقط لحاجتنا له وتلك عبادة الأحرار.

    ومن هنا نفهم لماذا لا يمكن لله إلا ألا تدركه الأنظار، وأن يتجلى لنا من خلال آياته، لإعمال عقولنا والتفكر والعودة إليه والإنابة. فإن بصرنا به ما كان لنا أن ننكره وحرية الإيمان تكمن في هذا البذل الفكري والقلبي لفهم هذه الحقيقة وقدرتنا على الارتباط بهذا الموضوع وتثبيته في نفوسنا وربط النعم التي ننعم بها بالمنعم علينا بها.

    وفي هذه الفكرة تركيز على ثنائية الخالق والمخلوق واختلافهما. وربما الإلحاح الذي في الآيات على مزيد من البراهين عن وجود الله يدل على رغبة طفولية في التحكم بالموضوع الذي تم اجتيافه عوضا عن التسليم به.

    وفي لغة الإسلام فأن القدرة على الوصول إلى هذه المعرفة مناطها القلب. فكما تضخ عضلة القلب الدم في الجسد يضخ القلب بلفظه المعنوي الروح في أنفسنا من خلال هذه الآليات النفسية التي مقاصدها العليا هي تسهيل معرفة الله. فنجد أن الآية ٧٢ من سورة البقرة تشير إلى أن مشكلة الكفر والاعتداء على حدود الله تكمن في القلوب القاسية.

    أي يمكننا التفكير في هذا القلب على أنه يمثل الترابط الروحي والنفسي والجسدي. فماذا نعني بذلك؟

    يتبع…

    الخاطرة السابقة

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٣)

    English version

    https://psychobableblog.wordpress.com/2023/04/05/ramadan-reflections-psychoanalytic-perspectives-6/

    1 comment on قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٤)
  • قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٣)

    June 27, 2023
    Uncategorized

    الخاطرة ١٣

    ذكرت سابقا الدفاعات النفسية وهي طريقتنا في تفادي الألم العاطفي. والآيات التالية من سورة البقرة (٤٤-٥٩) لفتت انتباهي إلى مفهومين الأول هو إحدى الدفاعات النفسية وهي اتخاذ العقل موضوعا والآخر هو مفهوم ثبات الموضوع. أما الأول فببساطة يعني أن تجرد الأمور من العاطفة والانفعالات وتفهمها بطريقة عقلانية محضة والآخر يعني قدرة المرء على الحفاظ على رابط معنوي بالموضوع (كائن آخر) رغم البعد أو الغضب أو الانفعال.

    سأتناول في هذه الخاطرة المفهوم الأول.

    يقول وينيكوت “إنه في إحدى الحالات القصوى، يصبح فرط النمو الفكري الذي يسهل عملية التكيف مع الحاجة في حد ذاته مهمًا جدًا في اقتصاد الطفل بحيث يصبح (العقل) المربية التي تعمل كبديل للأم وتهتم بالطفل في تركيبته النفسية.” (وينيكوت ١٩٨٨)

    ذكرتني هذه الفكرة بالنداءات العلمانية الداعية إلى تأليه العلم والعقل دون التفكير في قصور وقيود هذا المنهج الوصفي وعجزه عن استيعاب البعد الروحي. ليكون هذا المنهج من المنظور النفسي دفاعا ضد التسليم لله.

    فنرى في المثال المذكور في الآيات أدناه نرى تتالي الأمثلة الدالة على الله وتتالي الرفض لها. هنا نرى في الرفض تحريضا من الأنا العليا لا توجيها من الفطرة.

    (الأنا العليا: superego)

    (الفطرة: conscience)

    ٤٤-أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

    ٤٥-وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ

    ٤٦- الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

    ٤٧- يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ

    ٤٨- وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ

    ٤٩- وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ

    ٥٠- وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

    ٥١- وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ

    ٥٢- ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

    ٥٣- وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

    ٥٤- وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

    ٥٥- وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

    ٥٦- ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

    ٥٧- وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

    ٥٨- وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ

    ٥٩- فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ

    يوضح اخصائي التحليل النفسي دون كارفيث أن النموذج الهيكلي للنفس الذي اقترحه فرويد والذي يشمل الهو والأنا والأنا العليا يجب أن يشمل أيضا الأنا المثالية والضمير (أو ما اخترت أن أترجمه بالفطرة).

    ولعل الفكرة التي أحاول توصيلها هنا هي أن الفطرة والذكرى مترابطتين. فالله فطرنا على فطرته أي القدرة على معرفته من خلال استشعار الحسن والسيء وكلما نمت تقوى الله نمت قدرتنا على التمييز وعلى معرفته والعودة إلى فطرتنا.

    لذلك فإن الشخصية التي تسيّرها النزعات النرجسية غير قادرة على التسليم لمشيئة الله لأن الأنا والأنا العيا تسيرانها. فيصبح الجرح النرجسي الذي أصله عدم قدرة اعتراف المرء بضعفه وبثنائية الخالق والمخلوق وضرورة التسليم له حائلا دون الإيمان والإسلام.

    بينما الشخصية المسيرة بفطرتها مجبولة على الإنابة والعودة إلى مصدر الخير والحب الذي يولد القدرة على الاهتمام بالآخر. لذلك الإنسان الذي يحيا بفطرته وضميره اليقظ يشكل خطرا على المؤسسة القائمة على المصالح الفردية والنزعة النرجسية.

    والملفت أن القرآن يشير إلى إن العلماء أكثر الناس خشية لله.

    أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ 27 وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ 28

    أي أن هناك ترابط وثيق بين العلم ومعرفة الله خلافا للنزعات العلمانية، والشرط هو ربط النعم بالمنعم وربط المعرفة بمسببها. أي أن العلم بدون هذا العلاقة مع الله هو مشروع نرجسي مدمر للبشرية التي يرتبط صلاحها بمعرفة خالقها.

    ٤٤-أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

    ٤٥-وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ

    ٤٦- الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

    ٤٧- يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ

    ٤٨- وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ

    ٤٩- وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ

    ٥٠- وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

    ٥١- وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ

    ٥٢- ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

    ٥٣- وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

    ٥٤- وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

    ٥٥- وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

    ٥٦- ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

    ٥٧- وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

    ٥٨- وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ

    ٥٩- فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ

    الخاطرة السابقة

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن- ( الخاطرة ١١/١٢)
    No comments on قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٣)
  • قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن- ( الخاطرة ١١/١٢)

    June 16, 2023
    Uncategorized

    تحدثت في ما سبق عن العلاقات النفسية الداخلية التي يتم استدخالها والتي تنتج عنها مسارات عصبية بحسب فهم الإنسان لعالمه الخارجي.

    ويقابل هذا العالم، عالم آخر من العلاقات البينية.

    تنظر دراسات علم التحليل النفسي للمجموعات والمؤسسات إلى كيفية تواجد الفرد ضمن المجموعة والمؤسسة وكيفية تفاعله في هذين الوسطين وكيف تتعامل على صعيد اللاوعي لتفادي القلق الناجم عن المهمة التي كلفت بأدائها وتسمى المهمة الأولية.

    عندما تسبب المهمة الأولية القلق بين الموظفين ينتظمون في مجموعات بحسب تفسيرهم لما يحدث من حولهم. وتسمى هذه مجموعات الافتراض الأساسي. (ويلفريد بييون)

    إن لم توفر المؤسسة سبلا لعلاج هذا القلق قد يؤدي ذلك إلى جمود أو احتراق وظيفي.

    إذا أعدنا قراءة الآيات السابقة، ونظرنا إليها من منظور مؤسسي، نرى أن الله عز وجل بصدد وضع مجموعة مكلفة على الأرض، مكلفة بالاستخلاف (يخلف بعضهم بعضا) وبعبادته وباتباع سنة الله. بينما ترى الملائكة خطورة مثل هذه المجموعة إذا انتظمت بحسب مبادىء مجموعات الافتراض الأساسي، إذ ستميل إلى الظلم وإراقة الدماء.

    ٣٠- وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ

    ٣١- وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

    ٣٢- قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

    ٣٣- قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

    ٣٤- وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ

    ٣٥- وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ

    ٣٦- فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ

    ٣٧- فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

    ٣٨- قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

    تعبر تجربة سيدنا آدم وأمنا حواء عن تجربة المجموعة عند وقوعها في الخطأ. عليهما علاج القلق الناجم عن إدراكهما أنهما أخطآ بحق الله سبحانه وتعالى بسبب إغواء عدو لهما (الشيطان) واعتدائهما على حدود الله. فتتم محاسبتهما.

    وبحسب فيليب ستوكووييه في كتابه “حافز الفضول”، فإنه من خلال نظام المحاسبة في المؤسسة السليمة تتمكن المجموعة من رفع مصادر قلقها إلى الجهات العليا. أي أنه عندما ينتاب الفرد القلق والخوف عليه بالإنابة فإذا ارتفعت المخاوف تنزلت الطمأنينة وتشكل نظام دوراني (كالدورة الدموية). في هذا النظام يتم التكليف نحو الأدنى ويرفع القلق أو الجزع نحو الأعلى. وهذا التدفق الصحي يضمن صلاح وسلامة هذه المؤسسة اليافعة.

    فكيف تنطبق هذه النظرية علينا في حياتنا العملية؟

    يتبع…

    مصطلحات:

    استدخال internalise

    العلاقات البينية interpersonal relations

    العلاقات النفسية الداخلية Intrapsychic relation

    مجموعات الافتراض الأساسي basic assumption groups

    الخاطرة ١٢

    تحدثت في الخاطرة السابقة عن البعد المؤسسي للآيات والنظام الدوراني الذي يمهد للمسار الصحي للمؤسسة الاجتماعية.

    بينما يتنزل التكليف تُرفع الشكوى وتعالج لكي يستمر المرء في أداء مهمته. ونجد في مخاطبة بني اسرائيل في الآيات التالية مثالا لهذه الحركة الدورانية. فتفصًّل الآيات الدفاعات النفسية التي تهدف إلى إنكار الحقيقة أو تجاهلها أو تشويهها أو المراوغة أو الوهم.

    والأهم من ذلك أنها تذكر النظام الداخلي المضاد لهذه الدفاعات وهو تقوى الله وإقامة الصلاة.

    ٣٨. قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

    ٣٩. وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

    ٤٠. يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ

    ٤١. وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ

    ٤٢. وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

    ٤٢. وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ

    ٤٤. أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

    ٤٥. وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ

    ٤٦. الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

    ٤٧. يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ

    ٤٨. وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَر

    الخاطرة التالية

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٣)

    الخاطرة السابقة

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٠)
    1 comment on قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن- ( الخاطرة ١١/١٢)
  • قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٠)

    June 8, 2023
    Uncategorized

    عن الوصول إلى الوضعية الاكتئابية

    الوضعية الاكتئابية مصطلح أدرجته ميلاني كلاين للتعبير عن عملية نضج نفسية تعكس قدرة الطفل على دمج تجربته الانفصامية لراعيه الأساسي الذي كان يراه كموضوعين جزئيين منفصلين أحدهما مثالي ومحبوب والآخر مضطهِد ومكروه ليشكلا موضوعا مندمجا.

    وبينما طبيعة القلق الأولي هي من النوع النرجسي لأنه يقتصر على خوف المرء على نفسه وشعوره أن بقاءه مهدد، ففي الوضعية الاكتئابية يختلف هذا القلق بأن يشمل قدرة المرء على القلق على سلامة الآخر مما يولد الشعور بالذنب في حال كان هو المتسبب في ألم الآخر ومن هنا يبدأ الإصلاح وجبر الخطأ.

    في الخاطرة السابقة تحدثت عن البعد النفسي الذي يرمز له إبليس مشيرة إلى أنه يمثل الحالة النرجسية. وهذه الحالة تندرج وفقا لكلاين تحت باب الوضعية الفصامية شبه العظامية وهي الحالة التي يكون فيها المرء لا يزال يرى مواضيعه الداخلية كمواضيع مجتزءة.

    خلافا لإبليس، الذي يعجز عن الشعور بالذنب، يفعل سيدنا آدم عليه السلام ذلك. فينتقل نحو الوضعية الاكتئابية. (وهذا لا يعني الاكتئاب وإنما الإدراك أننا منفصلون عن الراعي الأساسي وأن لنا مشاعر منفصلة وقد نتسبب بالأذى).

    ٣٧- فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم

    ومن خلال تجربة الذنب والتوبة تترسخ فكرة الانفصال وثنائية الوجود فهناك خالق ومخلوق ويترتب على ذلك الاستسلام لله والتوبة إليه ودخول رحمته.

    وهنا تنشأ عبوديتنا لله من خلال فهم حقيقة اختلافنا عنه عز وجل. عبودية متأصلة في فهم استحالة الوحدة معه. وبينما يرفض إبليس (وكل متكبر جبار) استيعاب هذه الحقيقة يفهم آدم ذلك. فيرتقي آدم ليصبح عبدا من عباد الله. يرتقي باختياره كما كفر إبليس باختياره. وتصبح هذه العلاقة العمودية مع الله أساس الوضعية الاكتئابية من منظور إسلامي مع اختلاف في نوع القلق فليس القلق ان نكون قد آذينا الله بل أن نكون آذينا أنفسنا وغيرنا من بني آدم بالابتعاد عنه أو تضليل الآخرين كما فعل إبليس ومن نحا نحوه.

    أي أن قصة الخلق هي أيضا قصة تطورنا النفسي كأناس مخيرين بين النرجسية والعصاب. وقدرتنا على اجتياز هذه التجربة بسلام مرتبطة ارتباطا وثيقا بعلاقتنا مع الله عز وجل وقد يفسر ذلك معنى الاعتصام بحبل الله.

    الخاطرة السابقة

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن(٩)

    الخاطرة بالانكليزية English version

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives
    2 comments on قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٠)
  • قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن(٩)

    June 2, 2023
    Uncategorized

    الخاطرة ٩

    نرى في الآيات التالية كيف يتم تفعيل حافز البحث الذي ذكرته في الخاطرة السابقة. فحتى الآن يعيش آدم وحواء في حالة من السمو تلبى فيها احتياجاتهما دون تجربة عناء أو خيبة أمل. وتكمن أهمية العناء أو الخيبة في كونها تولد فكرا وتنجم عنها تجربة تعليمية. وبما أنهما أصبحا مكلفين بالاستخلاف في الأرض فعليهما أن يخوضا تجربة جديد ككائنات مجسدة ومرتبطة بمكان عليها التفاعل معه.

    كما يتم تعريفنا بعدو البشرية وهو إبليس. فيصبح للقصة أبعاد ثلاثة،

    بعد العلاقة العمودية بين الله سبحانه وتعالى وخلقه

    بعد العلاقة الأفقية بين الخلائق

    وبعد ثالث يعبر عن معالجة المواقف الدنيوية من خلال تقوى الله.

    ولكي نفهم هذه الابعاد يجب أن نتعرف إلى بعض مصطلحات التحليل النفسي منها:

    التحويل أو النقلة transference

    النرجسية Narcissism

    موضوع object

    علاقة بالموضوع: object relation.

    إسقاط: projection

    التماهي identification

    والتحويل آلية دفاعية و عمليّة نفسيّة تكون نتيجة لآلية أساسية وهي الإسقاط. وهذه الآلية تحدث في اللاوعي. , والاسقاط هو تظاهر أو خروج لهذا الوجود اللاواعي . فحسب فرويد هو نتاج لرغبة غير مقبولة أثناء مراحل الطفولة الأولى وتكون تجاه أحد الأشخاص المقربين جدا من العميل ثم ينتقل هذا الشعور إلى المعالج و هذا بحسب قدرته و إمكاناته . أما التحول أوالنقلة فهو إسقاط شعور من اللاوعي يخص كائنا أو موضوعا داخليا على شخص آخر. كأن ترى في معالجك النفسي شخصية والدك فتكون ردود فعلك تجاهه ناجمة عن الإسقاط لا عن حقيقة هذه العلاقة المهنية.

    وقصة الخلق تشير إلى تيارين تحويليين أحدهما عصابي والآخر نرجسي.

    والعصاب اضطراب نفسي ينجم من تضافر عدة عوامل على رأسها صراعات لا شعورية تبدو في صورة أعراض جسمية ونفسية ومنها القلق والوساوس والأفكار المتسلطة والمخاوف الشاذة، فتعيق الفرد عن ممارسة حياته السوية في المجتمع الذي يعيش فيه.

    بينما النرجسية حالة من العلاقات بالموضوع، يشعر الفرد فيها أن أجزاءً من نفسه هي الموضوع.

    وفي هذه الآيات يمثل إبليس التيار النرجسي المدمر. فحقده على سيدنا آدم وإحساسه أنه فقد مرتبته المميزة عند الله وملائكته قادته إلى الإقدام على عمل مدمر، وهو الابتعاد عن الله.

    وهذه القصة ترمز إلى حالة نفسية تعتري أي إنسان يعتدّ بنفسه “أنا خير منه”، وتكشف أيضا عن أصل هذه النرجسية وهي جرح نرجسي (فقدان منزلة الطفل المدلل) فتكون ردة الفعل الدفاعية لمداواة الجرح النرجسي هي الكبر.

    الملفت أن كلمة إبليس مشتقة من فعل بلس ومعناها اليأس من رحمة الله. أي يندرج تحت مسمى إبليس الداء الذي يودي بالمرء إلى الخروج من رحمة الله وهو النرجسية وأعراضها الكبر والاعتقاد بقدرة المرء المطلقة.

    ٣٤- وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ

    ٣٥- وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ

    ٣٦- فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ

    ٣٧- فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

    ٣٨- قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

    الخاطرة التالية

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١٠)

    الخاطرة السابقة

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (٧/٨)

    الخاطرة التي نشرت بالانكليزية

    Ramadan Reflections, psychoanalytic perspectives
    2 comments on قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن(٩)
  • قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (٧/٨)

    May 25, 2023
    Uncategorized

    الخاطرة # ٧

    قصة خلق سيدنا آدم عليه السلام قصة محورية لها بعد رمزي في فهم تطور التركيبة النفسية للإنسان.

    إذ تنطوي على أغوار وأبعاد تغطي نظريات التحليل النفسي المطروحة في هذا المجال. وآمل أن أستطيع طرحها بشكل مبسط وواضح.

    فإذا تمعنا في هذه الآيات

    ٣٠- وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ

    ٣١- وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

    ٣٢- قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

    ٣٣- قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

    في هذه الآيات يخبر الله عز وجل الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة فتبدي الملائكة استنكارها لتلك المخلوقات فيؤكد الله أنه أعلم بخلقه ويعلم آدم الأسماء كلها.

    تحمل هذه الآيات في طياتها أسس منظورين نفسيين. أحدهما على المستوى الفردي والآخر على المستوى المؤسسي.

    على المستوى الفردي، تشير الملائكة إلى النزعة الإنسانية للشر وهو ما يعرف في علم التحليل النفسي بحافز الموت فيطمئن الله سبحانه وتعالى الملائكة لمعرفته بقدرة الإنسان على التعلم التي تشير إلى حبه للمعرفة ونزعته للحياة وهذا ما يعرف في التحليل النفسي بحافز الحياة

    وربما يذكرنا بالآية ونفس وما زكاها فألهمها فجورها وتقواها.

    اقترح فرويد في نظريته عن العقل أننا مسيرون من قبل محركات تولد فينا إحساسا بالحاجة. هذه الحاجة تدفع الأنا للعمل لخفض حدة الضغط النفسي عليه وتلبية الحاجة الملحة، على سبيل المثال يأكل الجائع ليسد رمقه، ويشرب العطشان ليروي ظمأه. وقال فرويد إن حافز الحياة هو القوة المضادة لغرائز التدمير الذاتي التي تعرف بحافز الموت.

    فنرى أنه في الآيات السابقة إشارة للحافزين. قدرة الإنسان على الحب والكراهية. وفيها أيضا طمأنة ضمنية بأن الله أعلم أي الكفتين سترجح في النهاية ولماذا.

    ويرتبط حافز الحياة ارتباطا وثيقا بالمسؤولية وارتباطها بعلاقتنا بالله وبعملية التعلم. فنجاحنا في مهمتنا على الأرض مرتبط بما علمه الله لنا.

    الخاطرة # ٨

    كما جاء في الخاطرة السابقة فإن حافز الحياة مرتبط بالمسؤولية والارتباط بالله وطلب العلم. وعملية العلم والتعلم والتعليم تستحق وقفة تأملية. فما علاقتنا بهذه القصة وكيف تشملنا وكيف ينتقل إلينا ما علمه الله سبحانه وتعالى لآدم عليه السلام؟

    جاك بانكسيب عالم أعصاب وعالم نفس أحيائي، وضع مصطلح “علم الأعصاب الانفعالي”، وهو اسم المجال الذي يدرس الآليات العصبية للانفعالات أو العواطف. وقد حدد “نظام البحث” الذي يحفز الحيوانات والثدييات على التفاعل مع محيطها الخارجي. ربما من وجهة نظر علم التحليل النفسي، يوازي هذا المفهوم مفهوم حافز الفضول. حاجتنا للتفاعل مع محيطنا الخارجي للبقاء ينجم عنها منتج ثانوي وهو التعلم. (سولمز، ٢.٢٣)

    بيد أن الإسلام يتخذ موقفا مغايرا بعض الشيء، فهو يؤكد أن غاية وجودنا هي للبحث عن الله ومعرفته من خلال آياته. أي أن التعلم ليس منتجا ثانويا لتفاعل الغرائز مع محيطها وإنما تصميم ذكي خاص بالبشر، أساسه الإرادة الحرة. إنه هدف وماهية وجودنا.

    حتى أن عالم التحليل النفسي وأخصائي علم نفس الأعصاب مارك سولمز، أشار في كتابه “النبع الخفي” أن عملية الوعي محيّرة للغاية من الناحية العلمية لأنها ليست ضرورية لبقائنا (أي تتعارض مع نظرية الاصطفاء الطبيعي). وربما يدل ذلك على مقصد أسمى لوجودنا.

    لذا فإن قدرتنا على التعلم التي تشير إليها هذه الآيات أعلاه، تشير إلى قدرتنا على فهم محيطنا ومعرفة قوانينه، وهي قدرة وضعها الله في حمضها النووي وربما يقودنا إلى ذلك يوما ما علم التخلق فيكون بذلك هذا العلم الذي علمنا إياه ربنا تبارك وتعالى علم متوارث كما يستخلف بعضنا بعضا وينتقل جيلا بعد جيل من أبينا آدم إلينا.

    يتبع…

    الخاطرة التالية

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن(٩)

    الخاطرة السابقة

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن- (٥/٦)

    Reflection # 7

    https://psychobableblog.wordpress.com/2023/03/29/ramadan-reflections-7/

    Reflection # 8

    https://psychobableblog.wordpress.com/2023/03/30/ramadan-reflections-8/

    2 comments on قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (٧/٨)
  • قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن- (٥/٦)

    May 18, 2023
    Uncategorized

    الخاطرة ٥

    يتحدث علم التحليل النفسي عن الدفاعات النفسية التي تشكل جزءا من التركيبة النفسية للإنسان. بينما يتحدث القرآن عن أمراض القلب. فهل يشيران إلى ظاهرة واحدة تحت مسميات مختلفة؟

    ربما كان الأمر كذلك من حيث الأعراض ولكن العلة الأساسية تختلف. ففي القرآن تصريح واضح أن أساس الصحة النفسية علاقة الإنسان بربه.

    وكما ذكرت في الخاطرة السابقة، يستقي القلب من سيل من المعلومات الخارجية تمده بها الحواس الخمس كما يحتوي على قدرة كامنة تدله على الخير. فإن لم تعرض المعلومات الخارجية على الفطرة الداخلية السليمة يجرفنا السيل الدنيوي.

    ومن الآفات التي تنجم عن الاعتداد بمحصلة الحواس الخمس والعقل دون القلب تفشي الكبر بين الناس إذا لا رادع للمرء إلا عقله وهواه. وهذا الكبر الذي يفسد القلب يصيبه بالعمى، فيتجاهل المرء حقائق جلية من أجل مكاسب دنيوية. وهذا ما تشير إليه الآيات ٨ إلى ١٦ وهي آيات تنطبق على كل زمان وكل مكان لم تتحقق فيه المساواة والعدل بين الناس.

    ٦- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ

    ٧- خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

    ٨- وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

    ٩- يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ

    ١٠- فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

    ١١- وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

    ١٢- أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ

    ١٣- وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ

    ١٤- وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ

    ١٥- اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

    ١٦- أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ

    بينما نجد أن الآيات ١٧ إلى ٢٨ من سورة البقرة تتطرق إلى هذا العمى أو التجاهل الذي يصيب القلب. إذ يدرك المرء حقيقة ثم يختار إنكارها. ثم تعود الآيات لتؤكد أن تقوى الله والتفكر في آياته هي علاج هذا الداء.

    ١٧- مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ

    ١٨- صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ

    ١٩- أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ

    ٢٠- يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

    ٢١- يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

    ٢٢- الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

    ٢٣- وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ

    ٢٤- فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

    ٢٥- وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

    ٢٦- إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ

    ٢٧- الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

    ٢٨- كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

    ٢٩- هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

    فنجد أن الله عز وجل في استجابته لطلب الهداية الذي تقدمنا به، وضع لنا منهجا إنسانيا ونفسيا لأن فساد القلب يؤدي إلى فساد النفس وفساد النفس يؤدي إلى فساد التعاملات وفساد التعاملات يؤدي إلى فساد المجتمعات.

    لذلك بدأ الله سبحانه وتعالى بأمراض القلب التي تحول دون تلقي الهداية وكيفية علاجها بلزوم تقواه.

    الخاطرة # ٦

    “مصطلح

    internal object”

    أو “كائن داخلي”

    يعبر عن تصور نفسي وعاطفي داخلي لكائن حقيقي تم اجتيافه (introjected )

    داخل النفس (كتصور الطفل النفسي لأمه مثلاً الذي يعكس عواطفه وتفاعلاته النفسية عند تفكيره فيها، وهذه الصورة تختلف من فرد لآخر وقد لا تمثل الأم نفسها وإنما طريقة فهم الطفل لها.) لذلك فإن شخصية الكائن الداخلي تتلون و تتشكل بالإسقاطات النابعة من الصفات النفسية للذات التي تجتاف هذا الكائن. وتستمر هذه العلاقة المعقدة طيلة الحياة بين عالم الشخصيات الحقيقية والكائنات المجتافة والعالم الخارجي (والذي له أيضاً صورة ذهنية) من خلال دائرة متكررة من الإسقاط والاجتياف (projection/introjection-) وهما عمليتان يقوم بهما الجهاز النفسي دون وعي المرء بهما، في الأولى يسقط ما بنفسه من صعوبات نفسية على الآخر وفي الثانية يجتاف من الآخر تركيبات نفسية بحيث تتمثل كجزء من كيانه، و تصبح جزء من هويته النفسية).

    هذا التعريف الموجود على موقع

    Melanie Klein Trust


    مهم لمعرفة العملية النفسية التي يتم وصفها بمراحل تطورها في الآيات التي قرأناها والتي تمثل مقدمة للآيات ٣٠ إلى ٣٩.

    ٣٠- وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ

    ٣١- وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

    ٣٢- قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

    ٣٣- قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

    ٣٤- وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ

    ٣٥- وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ

    ٣٦- فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ

    ٣٧- فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

    ٣٨- قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

    ٣٩- وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

    في سورة الفاتحة يقوم الإنسان باجتياف كائن كامل يمكنه الاعتماد عليه والاستسلام له [فاجتياف فكرة الله ككينونة كاملة مستقلة عنا كبشر مختلفة عنا تمام الاختلاف، أصل الوجود، لا احتياجات له، لا بداية ولا نهاية له، سبحانه، ليس كمثله شيء، هو التكليف الذي كلفنا بها.] خلافا للكائنات الداخلية الإنسانية فإن هذا الاجتياف للكينونة الإلاهية هو اجتياف قلبي لأننا لا ندركه بالحواس الخمس.

    وقد تكون هذه نقطة اختلاف بين المنظورين الإسلامي والغربي للتركيبة النفسية. إذ يبدو لي أن الإسلام يقر تركيبة نفسية أساسها القلب بينما الغرب يعتمد تركيبة نفسية أساسها العقل. وربما تتوضح هذه الفكرة لاحقا عبر الخواطر التالية.

    وأهمية فهم هذه النقطة وهذه العملية النفسية أساسي لنفهم الإسقاطات التي يقوم بها الإنسان تجاه ربه عندما يرفض الدخول في سلمه والاستسلام له. ويمكن اعتبار الآيات ٢٥ إلى ٢٩ مقدمة تشرح هذه العملية النفسية التي سترمز لها قصة خلق آدم عليه السلام التي تذكرنا بالله الواحد القهار الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفء أحد. وان استخدمنا هنا عبارة كائن داخلي لكيفية اجتياف فكرة الله فإنما هو تقريب ذهني ولكن الله منزه عن أن يكون كائنا فهو أصل الكون.

    الخاطرة التالية

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (٧/٨)

    الخاطرة السابقة

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (٣-٤)

    الخاطرة ٥ بالانكليزية

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    الخاطرة ٦ بالانكليزية

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    2 comments on قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن- (٥/٦)
  • قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (٣-٤)

    May 11, 2023
    Uncategorized

    الخاطرة (٣ و ٤)

    تحدثت في الخاطرتين السابقتين عن ترابط سورتي الفاتحة والبقرة من حيث الطلب وجواب الطلب وما ينطوي على ذلك من تعاقد بين طرفين، الخالق والمخلوق، المريض والطبيب المداوي. وكيف أن سورة البقرة تأتي مفصلة لبنود هذا العقد. فكانت أولى شروط تلقي الهداية وتلقي العلاج الالتزام بتقوى الله. ووضحت بعض نظريات التحليل النفسي المرتبطة بهذه المعاني، بما أن الصحة النفسية من منظور علم التحليل النفسي هي أداة هذا البحث.

    نجد أن الله عز وجل يخبرنا على الفور بماهية المتقين لله:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    1 الم

    2 ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ

    3 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ

    4 وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

    5 أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون

    وهنا نبدأ بمواجهة تحديات التقوى أو نوع اليقظة المطلوبة منا. فالغيب معناه ما يغيب عن الحواس الخمسة. وهنا عظمة الدقة اللغوية للغة العربية فكلمة mindfulness تشير إلى يقظة ذهنية

    أما التقوى فهي يقظة قلبية لأن العقل دون البعد الروحي الذي مناطه القلب لا يستقيم وقد يضل ولا يهدي كما سأبين لاحقا.

    ونجد أن هذه التقوى أساسها ثلاثة علاقات محورية:

    ⁃ علاقة غيبية أساسها الاستسلام والعبودية (وهي الجرعة الواقية من النرجسية)

    ⁃ علاقة عمودية مع الله من خلال الصلاة وأركان الإسلام، ترسخ إيماننا بالغيب وتحدد نوع التعاقد مع الله (جرعة وقائية ضد جنون العظمة أو توهم المرء بقدرته المطلقة omnipotence)

    ⁃ علاقة أفقية تنظم تعاملاتنا البشرية أساسها حب الخير للآخرين (جرعة وقائية ضد الاكتئاب والعزلة)

    لذا نجد أن بدايه الهداية تعنى بلفت انتباهنا إلى جهازنا المناعي النفسي ومنحنا التطعيم الذي يغذيه لسعينا على مواجهة التركيبات النفسية التي قد تهدد هذه العلاقات المحورية في حياتنا فنحيد عن الصراط المستقيم.

    لذا فإن أركان الإسلام الخمسة هي أسس هذه الصحة النفسية وطريقة تدعيم جهازنا المناعي النفسي. فأداؤها يعود علينا بالنفع والصحة.

    فما هو هذا الجهاز المناعي؟

    إذا تمعنا في الآيات الخمسة التي تحدد صفات المتقين نجد أن صفات التقوى تتحقق بالايمان بالله (شهادة ألا إله إلا الله) والغيب والصلاة والإنفاق وهي صفات تعززها أركان الإسلام الخمسة. لتكون هذه الأركان الخمسة بمثابة جهازنا المناعي النفسي الذي يضمن لنا الصحة النفسية بتعزيز التقوى فينا.

    لذا تأتي الآيات التي تليها لتصف الآفات النفسية والأمراض التي تصيب هذا الجهاز المناعي. فنجد من خلالها أول إشارة في القرآن إلى ماهية التركيبة النفسية المعنية بهذه الجهود.

    تتحدث الآيات ٦ إلى ١٦ من سورة البقرة عن أثر الخلل في علاقتنا مع الله وتقواه على القلب. ويحدثنا الله عز وجل عن نوعين من البشر: ذووي القلوب المختومة وذوي القلوب المريضة. وهاتان الصفتان تشيران إلى مشكلتين نفسيتين في التركيبة النفسية أو دفاعين نفسيين: وهما القدرة المطلقة، والإنكار.

    يضرب لنا الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين في باب عجائب القلب، مثلا لما يصيب القلب فيقول:

    “أنه لو فرضنا حوضاً محفوراً في الأرض احتمل أن يساق الماء من فوقه بأنهار تفتح فيه، ويحتمل أن يحفر أسفل الحوض ويرفع منه التراب إلى أن يقرب من مستقر الماء الصافي، فينفجر الماء من أسفل الحوض ويكون ذلك الماء أصفى وأدوم وقد يكون أغزر وأكثر. فذلك القلب مثل الحوض، والعلم مثل الماء، وتكون الحواس الخمس مثال الأنهار. وقد يمكن أن تساق العلوم إلى القلب بواسطة أنهار الحواس والاعتبار بالمشاهدات حتى يمتلئ علماً، ويمكن أن تسد هذه الأنهار بالخلوة والعزلة وغض البصر يعمد إلى عمق القلب بتطهيره ورفع طبقات الحجب عنه حتى تنفجر ينابيع العلم من داخله.”

    هنا تتبين لنا الإشكالية النفسية للكفر وهي حجب القلب عن الله وهو حبل حياته ومنبع العلم وأصل الخير الذي تتغذى به الروح. فالكفر في معجم مقاييس اللغة وَالْكُفْرُ: ضِدُّ الْإِيمَانِ، سُمِّيَ لِأَنَّهُ تَغْطِيَةُ الْحَقِّ. وَكَذَلِكَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ: جُحُودُهَا وَسَتْرُهَا. لذلك يتوضح معنى الختم على القلوب أن الكافر حين يتخذ هذا الساتر بينه وبين تقوى الله يؤدى إلى ختم قلبه، وقتل البعد الروحي فيه. وحين يحدث ذلك تترسخ أولى العلل في نفس المرء بأن يظن أنه هو صاحب القدرة المطلقة. وهذا ما تشير إليه الآيات ٦ و٧

    ٦. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ

    ٧. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

    ٨. وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

    ٩. يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ

    ١٠. فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

    ١١. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

    ١٢. ألا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ

    يتبع…

    رابط الخاطرتين باللغة الانكليزية

    Day 3

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 4

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    الخاطرة التالية

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن- (٥/٦)
    6 comments on قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (٣-٤)
  • قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (٢)

    May 3, 2023
    Uncategorized

    إذا كانت سورة الفاتحة هي الطلب فإن سورة البقرة تأتي مباشرة جوابا للطلب مفصلة لبنود العقد.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    1 الم

    2 ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ

    3 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ

    4 وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

    5 أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون

    وأول ما يتضمنه جواب الطلب شرط تلقي العلاج ألا وهو تقوى الله، فكيف لنا أن نطلب منه ثم ننساه؟

    ولأن مناط بحثي الصحة النفسية فلن أتطرق إلى ما نعرفه من المعاني الدينية للتقوى بل إلى المعاني الموازية من حيث الصحة النفسية.

    وفقا لفرويد، فإن أول حالة نفسية نمر بها في تطورنا النفسي تعرف بالنرجسية الأولية التي لا يميز فيها الطفل بينه وبين أمه ويظن أنهما كيان واحد.

    فكان أول ما لفت انتباهي هو أن أول داء نفسي يحول دون تقوى الله هو داء النرجسية بلغتنا المعاصرة (وهو الكبر بالمصطلح الديني، أي الجرم الذي أخرج إبليس من الجنة.)

    وقد راجت في الآونة الأخيرة تمارين اليقظة الذهنية أو ال mindfulness وغيرها من علوم النفس الإيجابية التي تضع الإنسان في المركز وتوهمه أنه وحده وبإرادته وبسبر أغوار نفسه وذهنه قادر على إيجاد كل الحلول، فتنمو فيه الأنا. بينما نجد أن التقوى التي ندعى إليها نحن والتي تترجم إلى mindfulness of God, هي يقظة محورها علاقة مع الله عز وجل. فإن لم ينمُ في النفس هذا المحور العمودي مع عالم الغيب انهار محور العلاقات الأفقية بين سائر البشر لتصبح البشرية نموذجا مسطحا لا أبعاد له، يعيش بمبدأ الأقوى لا بمبدأ الرحمن الرحيم.

    وهذه فكرة متسعة الأطراف سأحاول توضيحها بالتدريج مع تدرج الآيات.

    فكيف تتم هذه اليقظة التي تؤدي إلى تقوى الله؟

    يتبع…

    رابط الخاطرة التي نشرت باللغة الانكليزية

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    رابط الخاطرة (١)

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١)

    الخاطرة التالية

    قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (٣-٤)
    3 comments on قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (٢)
  • قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١)

    April 27, 2023
    Uncategorized

    المقدمة

    التحليل النفسي علم حديث نسبيا طرح أفكاره فرويد ومن تلاه في هذا المجال. وهو في أوساطنا العربية والإسلامية غريب عنا في ظاهره لكنه متأصل في فكرنا الإسلامي. لذلك حاولت أن أنطلق من مبادىء هذا العلم وأقرأ القرآن قراءة تحليلية، لعل هذا العلم يبين لنا منظورًا إسلاميا عن الصحة النفسية. فكانت المفاجأة.

    وجدت أن في القرآن خطابا مبنيا على منهج علمي اتخذته العلوم التحليلية الحديثة أساسا في مناهجها العلاجية.

    وقد حاولت بسط هذه الأفكار خلال رمضان ٢٠٢٣ على شكل خواطر يومية مكتوبة بالانكليزية.

    الأفكار مختصرة ومبسطة لكي لا يملها القاريء وسأنشر الترجمة أسبوعيا أيام الخميس. فقط للتوضيح الترجمة ليست ترجمة نصية وانما ترجمة للفكرة مع حرية التعبير باللغة العربية. ولمن يجيد اللغتين سأوفر مع النص العربي رابطا للنص الذي نشر باللغة الانكليزية لمن أراد المقارنة.

    الخاطرة الأولى

    العقد شريعة المتعاقدين

    أول ما يفعله المعالج النفسي بعد سماع ما أتى المراجع أو المريض من أجله هو التعاقد شفهيا مع المريض على مواعيد الجلسة، تفاصيل الدفع، حدود العلاقة المهنية.

    فإذا أخذنا هذه النقطة بعين الاعتبار فلننظر كيف يبدأ الخطاب القرآني. سنجد أنه يبدأ بسورة الفاتحة وهي سورة تعلن توجهنا إلى الله طارقين بابه، ومقرين بربوبيته، وطالبين منه الهداية. هذا التوجه هو بداية العقد والعهد الذي نتعهد به أنفسنا أمام الله مثلما نفعل عندما نقصد المعالج النفسي، ولله المثل الأعلى، نتحرى العلم والخبرة والمعرفة ثم نطلب العلاج.

    هنا تكمن أهمية سورة الفاتحة وضرورتها في كل صلاة. إنها البند الأول والأساسي في تعاقدنا مع الله. لا تصح بدونها صلاتنا لأن الصلاة توجه إلى الله والفاتحة بند التوجه الذي نقره ١٧ مرة على الأقل يوميا في صلواتنا الخمسة.

    إنها علاقة نبدؤها نحن، فلا إكراه في الدين. ونؤكدها في كل صلاة من خلال تلاوتنا لسورة الفاتحة. واستحضار هذا المعنى له شروط وثمرات كما سنرى في ما يلي.

    فما هي شروط هذه العلاقة العلاجية؟

    يتبع…

    سورة الفاتحة

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

    الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

    الخاطرة التالية

    قراءة تحليلة لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (٢)

    رابط الخاطرة التي تم نشرها بالانكليزية

    Day 1

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    1 comment on قراءة تحليلية لمبادىء الصحة النفسية في القرآن (١)
  • Content: links to all the Reflections

    April 20, 2023
    Uncategorized

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Reading the therapeutic contract in the Quran.

    This is an index page containing all the reflections posted over the month of Ramadan 2023.

    The main objective was to reflect on the hidden therapeutic meanings of the surahs, think of their psychological dimension from a psychoanalytic point of view, and how they try to safeguard a healthy heart or a healthy psyche, through mindfulness of God تقوى الله. This mindfulness is cultivated in many ways and challenged in many ways. The reflections were an attempt to elucidate this psychological pathway with its struggles and triumphs.

    If you have any comments , i would love to hear from you.

    Day 1

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 2

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 3

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 4

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 5

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 6

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 7

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 8

    Ramadan Reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 9

    Ramadan Reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 10

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 11

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 12

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 13

    Ramadan Reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 14

    Ramadan Reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 15

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 16

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 17

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 18

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 19

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 20

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 21

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 22

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 23

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 24

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 25

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 26

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 27

    Ramadan Reflections, psychoanalytic perspectives

    Day 28

    Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives
    No comments on Content: links to all the Reflections
  • Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    April 19, 2023
    Uncategorized

    Reading the therapeutic contract in the Quran

    Day # 28

    The practice of fasting is attached, in our minds, to many benefits, both in terms of health and spirituality. The one meaning I had never thought of is the practice of negation of likeness.

    Andalusian islamic scholar and renowned mystic Ibn Arabi, wrote that the attachment to the degree of negation of likeness is a very important aspects of fasting. This negation of likeness (we are not like God, we are not in his image, we are completely different and there is nothing like Him) is a lived experience through fasting. We stop eating, drinking, having sexual relationships, from sunrise to sunset, (which are all basic human needs for the survival of our species) to understand experientially the unsustainability of our claims to power and omnipotence. We are invited to think of the nature of the One who does not have any of these basic needs. When we break our fast, we break through that experience to understand the difference between us humans who rejoice when we break our fast and begin to consume, compared to our creator who is As-samad, the eternal, who does not have any needs as Surat Al-Ikhlas explains;

    112:1  Say, ‘He is God the One

    112:2  God the eternal

    112:3  He begot no one nor was He begotten

    112:4  No one is comparable to Him.

    One fundamental rule in object relations theory is that there is no true relatedness except through separateness. This seems to be a fundamental rule as well for accepting guidance and submission in faith.

    It is this dynamic relationship between Master/subject that is the central foundation of psychic development, psychic maturity and psychic wellbeing from an internal Slavic perspective.

    It is emphasised and detailed in the opening surahs of the Quran to set the methodology of guidance and faith.

    In conclusion, I have tried over the past four weeks to comment on the intricacy of the therapeutic contract in the Quran. This engagement to safeguard us from and guide us through psychic difficulties seems to be a primary task, or higher objective of all prescribed rules (sharia laws) on a personal and interpersonal level.

    Thank you for reading, and until we meet again, peace be upon you!

    Previous reflection

    Ramadan Reflections, psychoanalytic perspectives

    1 comment on Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives
  • Ramadan Reflections, psychoanalytic perspectives

    April 18, 2023
    Uncategorized

    Reading the therapeutic contract in the Quran

    Day # 27

    On fasting and the night of determination

    Al Ghazali, 12th century Muslim scholar, wrote in his book, The revival of Religious Sciences, that there were three classes of fast.

    1) fast of the general Muslims. It is to restrain oneself from eating and drinking and from sexual passion. This is the lowest kind of fast.

    2) Fast of the few select Muslims. In this kind of fasting, besides the above things, one refrains himself from sins of hands, feet, sight and other limbs of body.

    3) Fast of the elite. These people keep fast of mind. In other words, they do not think of anything else except God and the next world.

    From a psychodynamic perspective, We can understand these, as three positions a Muslim assumes depending on his mindfulness of God. The first class are those who have fallen into habitual practice without depth. Habits create automatisation of processes in the mind, things are stored in our unconscious and we do them without real mindfulness. This deprives the act of its depth of meaning. It is an individual fast that puts the self through an existential discomfort without necessarily grasping its deeper purpose.

    In the second type of fasting, man begins to gain insight and is aware of himself in relation to others, he understands his internal fragility and is challenged in the external world not to act out, to guard the appetitive drives from transgression against God through his actions towards others. An interpersonal expression of fasting develops.

    The third type is a transcendent type of fast, where mindfulness of God becomes very heightened in one’s awareness. We reach that through a process of a whole month of mindful fasting which takes us from the first level through the second to reach the third stage. This is symbolised in the nights of determination which are the last 10 nights of Ramadan.

    Those who reach these nights with a purified heart are those who have managed to rise from the first level to the third.

    This psychic process of spiritual growth is based on negations: The negation of appetitive drives which guarantee our survival during the duration of the fast from sunrise to sunset. But there is another form of negation which we get to understand through the negation of the drives. So what is this other form of negation?

    TBC…

    Next reflection

    Ramadan Reflections, psychoanalytic perspectives

    Previous reflection

    https://psychobableblog.wordpress.com/2023/04/17/ramadan-reflections-psychoanalytic-perspectives-19/

    2 comments on Ramadan Reflections, psychoanalytic perspectives
  • Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives

    April 17, 2023
    Uncategorized

    Reading the therapeutic contract in the Quran

    Day # 26

    On the mysteries of fasting

    If we look at the verses where fasting is prescribed and how they are followed by a statement where God reassures us, his subjects of his closeness to us, we can think of fasting as a process, which leads to greater closeness to God. It does so through the cleansing of the heart and reconnection with the Source of goodness.

    2:183  You who believe, fasting is prescribed for you, as it was prescribed for those before you, so that you may be mindful of God

    2:184  Fast for a specific number of days, but if one of you is ill, or on a journey, on other days later. For those who can fast only with extreme difficulty, there is a way to compensate- feed a needy person. But if anyone does good of his own accord, it is better for him, and fasting is better for you, if only you knew

    2:185  It was in the month of Ramadan that the Quran was revealed as guidance for mankind, clear messages giving guidance and distinguishing between right and wrong. So any one of you who is present that month should fast, and anyone who is ill or on a journey should make up for the lost days by fasting on other days later. God wants ease for you, not hardship. He wants you to complete the prescribed period and to glorify Him for having guided you, so that you may be thankful

    2:186  [Prophet], if My servants ask you about Me, I am near. I respond to those who call Me, so let them respond to Me, and believe in Me, so that they may be guided

    This process that we go through over the period of a month begins to yield its fruits, if we do it mindfully, towards the end of the month, when we reach the nights of determination or glory or power (various translations for Qadr).

    97:1  We sent it down on the Night of Glory

    97:2  What will explain to you what that Night of Glory is

    97:3  The Night of Glory is better than a thousand months

    97:4  on that night the angels and the Spirit descend again and again with their Lord’s permission on every task

    97:5  [there is] peace that night until the break of dawn

    This is very crucial to understand that this inward movement that we undergo during the month of Ramadan prepares us to receive the guidance of God.

    Thus Ramadan being the month of the Quran does not solely refer to the fact that it was the month when revelation began, but where it continues. It is a perpetual act of revelation of meanings, revelation of connection with God. Fasting can therefore be understood as a therapeutic process, an experiential cleansing of the heart, or an experiential dismantling of defences, a taming of drives, for our spiritual dimension to thrive.

    So how does the fasting process achieve that?

    5 comments on Ramadan reflections, psychoanalytic perspectives
Previous Page
1 2 3 4 5
Next Page

Blog at WordPress.com.

Psychoanalysis & Beyond

A Psychoanalytic lens on Islamic text

  • Home
  • About
  • Contact
  • Blog
 

Loading Comments...
 

    • Subscribe Subscribed
      • Psychoanalysis & Beyond
      • Already have a WordPress.com account? Log in now.
      • Psychoanalysis & Beyond
      • Subscribe Subscribed
      • Sign up
      • Log in
      • Report this content
      • View site in Reader
      • Manage subscriptions
      • Collapse this bar